الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
108
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
صاحبه وذبّ الذعار عنه ، ويبلغ من محبته لصاحبه أن يبذل نفسه للموت دونه ودون ماشيته وماله ، ويألفه غاية الألف حتى يصبر معه على الجوع والجفوة ، فلم طبع الكلب على هذه الألفة والمحبّة إلّا ليكون حارسا للإنسان عينا - أي جاسوسا - له بأنياب ومخاليب ونباح هائل ليذعر منه السارق ويتجنب المواضع التي يحميها ويخفرها يا مفضل تأمّل وجه الدابّة كيف هو فانّك ترى العينين شاخصتين أمامها لتبصر ما بين يديها لئلا تصدم حائطا أو تتردّى في حفرة ، وترى الفم مشقوقا شقّا في أسفل الخطم ، ولو شق كمكان الفم من الانسان في مقدم الذقن لما استطاع أن يتناول به شيئا من الأرض . ألا ترى أنّ الانسان لا يتناول الطعام بفيه ولكن بيده تكرمة له على سائر الآكلات ، فلمّا لم يكن للدابة يد تتناول بها العلف جعل خرطومها مشقوقا من أسفله ليقبض على العلف ثمّ تقضمه ، واعينت بالجحفلة لتتناول بها ما قرب وما بعد ( 1 ) . اعتبر بذنبها والمنفعة لها فيه ، فإنهّ بمنزلة الطبق على الدبر والحياء جميعا يواريهما ويسترهما ، ومن منافعها فيه أن ما بين الدبر ومراقي البطن منها وضر يجتمع عليها الذباب والبعوض ، فجعل لها الذنب كالمذبة تذب بها عن تلك المواضع . ومنها : أنّ الدابة تستريح إلى تحريكه وتصريفه يمنة ويسرة ، فإنه لما كان قيامها على الأربع بأسرها وشغلت المقدمتان بحمل البدن عن التقلب والتصرف كان لها في تحريك الذنب راحة . وفيه منافع أخرى يقصر عنها الوهم فيعرف موقعها في وقت الحاجة إليها ، فمن ذلك ، أنّ الدابة ترتطم في الوحل فلا يكون شيء أعون على نهوضها من الأخذ بذنبها ، وفي شعر الذنب منافع للناس كثيرة يستعملونها في مآربهم ، ثم جعل ظهرها
--> ( 1 ) الجحفلة : للحافر كالشفة للإنسان .